إن الثبات على دين الله هو الرجولة الحقة والانتصار العظيم في معركة الطاعات والأهواء والرغبات والشهوات ولذلك فإن الثابتين المستقيمين تتنزل عليهم الملائكة في الحياة الدنيا لتطرد عنهم الخوف والحزن وتبشرهم بالجنة وتعلن وقوفها إلى جانبهم في الدنيا والآخرة قال تعالى( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم )- [فصلت/30-32] قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لم يشركوا بالله شيئا ولم يلتفتوا إلى إله غيره ثم استقاموا على أن الله ربهم. وقال الحسن البصري رحمه الله: استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. ما أجمل الطاعة إذا أتبعت للطاعة وما أعظم الحسنة وهي تنظم إلى الحسنة لتكون من الأعمال الصالحة التي ترفع العبد إلى الدرجات العلى وتنجيه من النار برحمة الله وفضله وما أتعس المرء وأقل حظه من الإسلام أن يهدم ما بنى ويفسد ما أصلح ويرتد إلى حمأة المعصية وظلمة الكفر بعد أن ذاق لذة الإيمان وحلاوة الطاعة ولقد كان من دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم في صلاته اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد رواه النسائي وغيره . وكان من هديه صلى الله عليه وسلم المداومة على الأعمال الصالحة ولو كانت قليلة. سئلت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئا قالت: لا ،كان عمله ديمة وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق متفق عليه . ويقول صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل). قال الحسن البصري رحمه الله : أبى قوم للمداومة والله ما المؤمن بالذي يعمل الشهر أو الشهرين أو عاما أو عامين لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت ثم قرأ قول الحق سبحانه -( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )- [الحجر/99] وإن الثبات على الطاعة ولزوم الصراط المستقيم عزيز وعظيم لا سيما مع فساد الزمان وكثرة المغريات وتتابع الشهوات وكثرة الشبهات وضعف المعين وكثرة الفتن التي أخبر عنها صلى الله عليه وسلم بقوله بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا رواه مسلم, والنفس الثابتة على دين الله تحتاج إلى المراقبة التامة والملاحظة الدائمة والأطر على الحق والعدل والبعد عن مواطن الهوى والمجاوزة والطغيان ولأجل هذا فقد أرشد صلى الله عليه وسلم أمته بقوله استقيموا ولن تحصوا رواه مسلم. وبقوله سددوا وقاربوا متفق عليه. والسداد هو حقيقة الاستقامة والثبات وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد وأعظم من ذلك وأجل قول الله تعالى( فاستقيموا إليه واستغفروه)- [فصلت/6] ومدار الثبات على دين الله والاستقامة على طاعته على أمرين هما حفظ القلب واللسان فمتى استقاما استقام سائر الأعضاء وصلح الإنسان في سلوكه وحركاته وسكناته ومتى اعوجا وفسدا فسد الإنسان وضلت أعضائه جميعا. ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب . وعند الإمام أحمد من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه. وعند الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: لقلب ابن آدم أشد انقلابا من القدر إذا استجمعت غليا. وإن للثبات على دين الله والاستقامة على شرعه أسبابا فمن ذلك الإيمان الصادق والاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما علما وعملا وكثرة العبادة والمداومة على الطاعة والاقتداء بالسنة والحذر من المعاصي والبدع وكثرة الدعاء والإلحاح على الله فيه والمداومة على ذكر الله وعلى المسلم الباحث عن الثبات وأسبابه أن يحرص على مرافقة الصالحين والعلماء الربانيين العاملين والدعاة الصادقين الذين يثبتون الناس عند الفتن ويؤمنونهم في أزمنة الخوف والرهبة ويكثر من مجالستهم فإن ملازمتهم ومجالستهم تزيد الإيمان. قال أنس ابن مالك رضي الله عنه لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. ولا ينسى موقف الصديق أبي بكر رضي الله عنه عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حين ثبت صابرا محتسبا مذكرا للناس لكتاب الله الذي أخبر عن وفاة رسول الله وحين ثبت الحق في وجه المرتدين وحاربهم حتى نصر الله به الدين وقمع فتنة الردة ومن أعظم مواقف الصالحين في تثبيت الذين آمنوا في الفتن وشد أزرهم عند المحن ما وقع للإمام أحمد ابن حنبل إمام أهل السنة والجماعة الذي نصر الله تعالى به دينه في فتنة القول بخلق القرآن فقد ذكر الحافظ ابن الكثير أن أحمد ابن حنبل لما صار إلى رحبة فوق بالشام عرض له رجل من الأعراب فقال يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم ما يدعونك إليه فيجيبوا فتحمل أوزارهم يوم القيامة وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه فإنما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل. قال الإمام أحمد فكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع عن ذلك الذي يدعونني إليه. فثبت على القول بأن القرآن منزل غير مخلوق من الله بدأ وإليه يعود فنصره الله وانقمعت الفتنة ولله الحمد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد .
كتبه الشيخ عبدالله القرعاوي
امام وخطيب جامع خادم الحرمين ببريده