ارتوت من نهر الحب الصادق والحنان المتدفق فأورقت حبا على حب وصفاء على صفاء , لما اقبل العيد بعد شهر الصيام أرادت أن تكتسي حلة ملابس فوق حله الإيمان , فقالت لزوجها : لابد ان تذهب معي فلن اذهب بدون محرم ,لا اريد رجلا غيرك يسمع صوتي , وادنت على وجهها حجابا سميكا مستجيبة لأمر الله عز وجل متبعة في ذلك امهات المؤمنين رضوان الله عليهن فحرمت على الرجل الاجنبي ان يرى منها ظفرا أو خصلة شعر هي حل لك حرام عليهم , سارت بجواره خائفة وجلة أن تقع عليها اعين الرجال ونظراتهم , ولما خرجت من السوق فإذا بالعرق يتساقط من جبينها الوضاء فقال وهو يتمنى أن يمسح تلك القطرات بيده , تلك يا زوجتي حبات الحياء خرجت , لو انهملت مرة بعد اخرى وتطاولت بها الايام لجدبت منها المآقي وغارت فلا تتحدر , أما رأيت الحياء كيف يسقط مرة تلو الاخرى فلا يبقى منه الا ما يواري السوءة .
وحين أقبل النهار بساعاته الطويلة أدنت له من المأكل والمشرب ما لذ وطاب , لتستقبل الزوج العائد مختبئة خلف الباب مرحبة بأجمل عبارات الشوق وكأن الحبيب عائد من سفر سنوات وليس فراق ساعات .
حدا بها الشوق لتبوح عن مكنون النفس بكلمات تقدمتها ابتسامة صادقة لتلامس قلبه قبل اذنيه , وقد كان لها نصيب أوفى من حديث محمد صلى الله عليه وسلم : (( إذا نظر اليها سرته)) وعندما استقر به المقام جلست بين يديه تتلهف الى كلمة يقولها أو همسة من طرف لتجيب بنعم , تتنقل نظراتها الى ما يحب , ولما تعثر صغيرهما وهو يجري بخطوات صغيرة , أزجت التربية دعاء مسموعا : هذا يا زوجي أُعده لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ليكون علما من أعلامها وداعية من دعاتها , أقر الله به عينك شهيدا في سبيل الله مقبلا غير مدبر سابق الفرح الأب سنوات قادمة فإذا به يرى الدعاء حقيقة والأُمنية راية يرفعها الصغير علما وجهادا , لا تسل عن الفرحة وكأنها أهدته كنوز الدنيا بهذا الأمل المشرق .
ولما أدركهما السكن في ليل هاديء كانت له حورية عذبة الكلمة , طيبة الرائحة , إن نظر اليها أعاد وكرر فلا يمل و وان تحدثت فنعم الحديث عذوبة ورقة , وتمنت على زوجها أن يختم يومه بقراءة جزء من القرآن , فناولته المصحف وقالت لعلك تراجع حفظي فقد تفلت القرآن مني , فكان لها ذلك .
وحين جن الليل وأظلم قامت إشراقة الفجر الى مصلاها , فكبرت وأطالت القراءة وأتبعتها بركوع ثم سجود طويل وكان يسمع الدعاء فخصته قبل نفسها ورفعت حاجته قبل حاجتها حتى سلمت يمنة ويسرة ثم التفتت اليه وقالت : أريد أن اطبق السنة ولو مرة واحدة ونضحت ماء قليلا مسحته على عجل بيدها , حتى لا يقع على وجهه فيؤذيه ونادته للصلاة فنهض وهو يُسمعها الدعاء : (( جعلك الله زوجتي في الجنة )) .
هنيئا لك أيها الزوج هذه المرأة الولود الودود , هنيئا لك امرأة عفيفة ليس لغيرك فيها نصيب وهنيئا لامرأة اسلمت قلبها لله عز وجل وتعبدت ذلك طاعة وقربة , انها امرأة ليست ضربا من الخيال بل هي في كثير من البيوت العامرة بالطاعة والإيمان , لقد صفت القلوب ووقر الايمان وقرت العيون فكانت الحياة الطيبة , قال تعالى : (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) النحل آية 97